الشيخ محمد رشيد رضا
525
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( ص ) « ما من الأنبياء نبي الا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وانما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه اللّه اليّ ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ومعناه أن كل نبي مرسل أعطاه اللّه من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر بدلالة مثله . وقد يقال إن إنذار قومه بأن يصيبهم ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح إذا هم أصروا على شقاقه وعناده - هو آية بينة على صدقه ، وقد صدق إنذاره هذا وهو مبين في قصته من سورة هود . ولكن لا بد ان يكون له آية أخرى دالة على صدقه تقوم بها الحجة عليهم فان ظهور صدق هذا الانذار إنما يكون بوقوع العذاب المانع من صحة الايمان ، فلا فائدة لهم من قيام الحجة به ، على أن البينة كل ما يتبين به الحق فهي تشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية ، والمعروف من أحوال الأمم القديمة أنها لم تكن تذعن الا لخوارق العادات ، ولو لم تكن البينة التي أيد اللّه تعالى بها شعيبا ( ع م ) ملزمة للحجة قاطعة لألسنة العذر ومكابرة الحق لما ترتب عليها قوله ( فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) فان عطف هذا الامر بالفاء لا يصح الا إذا كان مبنيا على ما هو سبب له وهو البينة على صدقه ووجوب طاعته ، ولو كان معطوفا على قوله ( اعْبُدُوا اللَّهَ ) لعطف بالواو بدأ الدعوة بالامر بالتوحيد في العبادة لأنه أساس العقيدة وركن الدين الأعظم وقفى عليه بالامر بإيفاء الكيل والميزان إذا باعوا ، والنهي عن بخس الناس أشياءهم إذا اشتروا ، لان هذا كان فاشيا فيهم أكثر من سائر المعاصي ، فكان شأنه معهم كشأن لوط ( ع . م ) إذ بدأ بنهي قومه عن الفاحشة السوءى التي كانت فاشية فيهم كان قوم شعيب من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس أو وزنوا عليهم لأنفسهم ما يشترون من المكيلات والموزونات يستوفون حقهم أو يزيدون عليه ، وإذا كالوهم أو وزنوهم ما يبيعون لهم يخسرون الكيل والميزان اي ينقصونه ، فيبخسونهم أشياءهم ، وينقصونهم حقوقهم ، والبخس أعم من نقص المكيل والموزون فإنه يشمل غيرهما من المبيعات كالمواشي والمعدودات ، ويشمل البخس في المساومة والغش والحيل التي تنتقص بها الحقوق وكذا بخس الحقوق المعنوية كالعلوم والفضائل ، وكل من البخسين فاش في هذا الزمان ، فأكثر التجار باخسون مطففون مخسرون ، فيما يبيعون وفيما يشترون ، وأكثر المشتغلين بالعلم والأدب وكتاب السياسة بخاسون لحقوق صنفهم ، ونفاجون فيما يدعون لأنفسهم ، يتشبعون بما لم يعطوا كلابس ثوبي زور ،